علي محمد علي دخيل

29

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

124 - وَ اذكروا إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ أي اختبر وهو مجاز ، وحقيقته : أنه أمر إبراهيم ربه وكلفه وسمي ذلك اختبارا وقوله : بِكَلِماتٍ روي عن الصادق : أنه ما ابتلاه اللّه به في نومه من ذبح ولده إسماعيل أبي العرب ، فأتمها إبراهيم وعزم عليها وسلّم لأمر اللّه ، فلما عزم قال اللّه ثوابا له لما صدق وعمل بما أمره اللّه إني جاعلك للناس إماما فَأَتَمَّهُنَّ معناه : وفي بهن وعمل بهن على التمام والضمير في أتمهن عائد إلى اللّه تعالى والكلمات : هي الإمامة ، وأتمهن اللّه بأن أوجب بها الإمامة بطاعته واضطلاعه بما ابتلاه ، وقوله : قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً معناه : قال اللّه تعالى إني جاعلك إماما يقتدى بك في أفعالك وأقوالك ، والدليل عليه قوله : جاعلك وقوله : قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أي واجعل من ذريتي من يوشّح بالإمامة ، ويوشّح بهذه الكرامة وقوله : قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قال مجاهد : العهد الإمامة ، أي لا يكون الظالم إماما للناس ، فهذا يدل على أنه يجوز أن يعطي ذلك بعض ولده إذا لم يكن ظالما . واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن الإمام لا يكون إلّا معصوما عن القبائح ، لأن اللّه سبحانه نفى أن ينال عهده الذي هو الإمامة ظالم ، ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالما إما لنفسه وإما لغيره . 125 - قوله : وَإِذْ جَعَلْنَا عطف على قوله إذا ابتلى الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ الذي جعله اللّه مثابة هو البيت الحرام وَأَمْناً أراد مأمنا أي موضع أمن ، وإنما جعله اللّه أمنا بأن حكم أن من عاذ به والتجأ إليه لا يخاف على نفسه ما دام فيه ، وبما جعله في نفوس العرب من تعظيمه حتى كانوا لا يتعرضون من فيه ، فهو آمن على نفسه وماله وإن كانوا يتخطفون الناس من حوله وقوله : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى هو الصلاة عند مقام إبراهيم ، أمرنا بالصلاة عنده بعد الطواف وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أي أمرناهما وألزمناهما أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ للطائفين ، أي قلنا لهما والمراد طهراه من الرفث والدم الذي كان يطرحه المشركون عند البيت قبل أن يصير في يد إبراهيم وإسماعيل وقوله : لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ أكثر المفسرين على أن الطائفين : هم الدائرون حول البيت ، والعاكفين : هم المجاورون للبيت وقوله وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ هم المصلون عند البيت يركعون ويسجدون وقال رسول اللّه ( ص ) : إن للّه عزّ وجل في كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة تنزل على هذا البيت : ستون منها للطائفين ، وأربعون للعاكفين ، وعشرون للناظرين . 126 - وَ اذكر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا أي هذا البلد ، يعني مكة بَلَداً آمِناً أي ذا أمن وقيل معناه : يأمنون فيه وقوله : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ أي اعط من أنواع الرزق والثمرات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ سأل لهم الثمرات ليجتمع لهم الأمن والخصب فيكونوا في رغد من العيش قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا أي قال اللّه سبحانه : قد استجبت دعوتك فيمن آمن منهم ، ومن كفر فأمتعه بالرزق الذي أرزقه إلى وقت مماته ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ أي ادفعه إلى النار وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي المرجع والمأوى والمآل . 127 - ثم بيّن سبحانه كيف بنى إبراهيم البيت فقال وَإِذْ يَرْفَعُ وتقديره : واذكر إذ يرفع إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ أي أصول البيت التي كانت قبل ذلك وقد كان آدم ( ع ) بناه ثم عفا أثره فجدده إبراهيم ( ع ) وقوله وَإِسْماعِيلُ أي يرفع إبراهيم وإسماعيل أساس الكعبة وقيل : إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجر رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا أثبنا على عمله وقوله إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي أنت السميع لدعائنا ، العليم بنا وبما يصلحنا . 128 - ثم ذكر تمام دعائهما عليهما السلام فقال سبحانه رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ أي قالا : ربنا واجعلنا مسلمين